المقريزي

154

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

بالأفشين « 1 » إلى القبط وقد خلعوا الطاعة ، فأوقع بهم في ناحية البشرود ، وحصرهم حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين ، فحكم فيهم المأمون بقتل الرجال ، وبيع النساء والأطفال ، فسبى أكثرهم ، وتتبع المأمون كل من يومي إليه بخلاف ، فقتل ناسا كثيرا ، ورجع إلى الفسطاط في صفر ومضى إلى حلوان ، وعاد فارتحل لثمان عشرة خلت من صفر ، وكان مقامه بالفسطاط وسخا وحلوان تسعة وأربعين يوما . وكان خراج مصر قد بلغ في أيام المأمون على حكم الإنصاف في الجباية أربعة آلاف ألف دينار ومائتي ألف دينار وسبعة وخمسين ألف دينار . ويقال : إن المأمون ، لما سار في قرى مصر كان يبني له بكل قرية دكة يضرب عليها سرادقة والعساكر من حوله ، وكان يقيم في القرية يوما وليلة ، فمرّ بقرية يقال لها : طاء النمل ، فلم يدخلها لحقارتها ، فلما تجاوزها خرجت إليه عجوز تعرف بمارية القبطية صاحبة القرية وهي تصيح ، فظنها المأمون مستغيثة متظلمة ، فوقف لها وكان لا يمشي أبدا إلا والتراجمة بين يديه من كل جنس ، فذكروا له إن القبطية قالت : يا أمير المؤمنين ، نزلت في كل ضيعة وتجاوزت ضيعتي ، والقبط تعيرني بذلك ، وأنا أسأل أمير المؤمنين أن يشرفني بحلوله في ضيعتي ليكون لي الشرف ، ولعقبي ، ولا تشمت الأعداء بي ، وبكت بكاء كثيرا . فرقّ لها المأمون وثنى عنان فرسه إليها ونزل فجاء ولدها إلى صاحب المطبخ ، وسأله كم تحتاج من الغنم والدجاج والفراخ والسمك والتوابل والسكر والعسل والطيب والشمع والفاكهة والعلوفة ، وغير ذلك مما جرت به عادته ، فأحضر جميع ذلك إليه بزيادة . وكان مع المأمون أخوه المعتصم وابنه العباس ، وأولاد أخيه الواثق والمتوكل ويحيى بن أكثم والقاضي أحمد بن داود ، فأحضرت لكل واحد منهم ما يخصه على انفراده ، ولم تكل أحدا منهم ولا من القوّاد إلى غيره ، ثم أحضرت للمأمون من فاخر الطعام ولذيذه شيئا كثيرا ، حتى أنه استعظم ذلك . فلما أصبح ، وقد عزم على الرحيل حضرت إليه ومعها عشر وصائف مع كل وصيفة طبق . فلما عاينها المأمون من بعد . قال لمن حضر : قد جاءتكم القبطية بهدية الريف الكامخ والصحناه والصبر فلما وضعت ذلك بين يديه إذا في كل طبق كيس من ذهب فاستحسن ذلك وأمرها بإعادته . فقالت : لا واللّه لا أفعل فتأمّل الذهب ، فإذا به ضرب عام واحد كله ، فقال : هذا واللّه أعجب ، ربما يعجز بيت مالنا عن مثل ذلك . فقالت : يا أمير المؤمنين ، لا تكسر قلوبنا ولا تحتقر بنا ، فقال : إن في بعض ما صنعت لكفاية ، ولا نحب التثقيل عليك فردّي مالك بارك اللّه فيك ، فأخذت قطعة من الأرض وقالت : يا أمير المؤمنين ، هذا وأشارت إلى الذهب ، من هذا وأشارت إلى الطينة التي

--> ( 1 ) الأفشين : بالأصل لقب على الملك بأشروسنة . وقد لقب به المعتصم بالله حيدر بن كاووس لأنه أشروسني . صبح الأعشى ج 5 / 415 .